ابن عجيبة

262

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّكَ يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، أي : لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل من قومك وغيرهم ، يعنى : أن خاصية الهداية خاصة بالربوبية ، وخاصية الربوبية لا تكون لمخلوق ، ولو كان أكمل الخلق . وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ؛ يخلق الهداية في قلب من يشاء ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ؛ بمن يختار هدايته ويقبلها . قال الزجاج : أجمع المفسرون أنها نزلت في أبى طالب ، وذلك أنه قال عند موته : يا معشر بني هاشم صدقوا محمدا تفلحوا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يا عمّ تأمرهم بالنّصيحة لأنفسهم ، وتدعها لنفسك ! » فقال : ما تريد يا ابن أخي ؟ فقال : « أريد منك أن تقول : لا إله إلا اللّه ، أشهد لك بها عند اللّه » . فقال : يا ابن أخي ؛ أنا قد علمت أنك صادق ، ولكن أكره أن يقال جزع عند الموت . ه . وفي رواية قال : ( لولا أن تعيرني نساء قريش ، ويقلن : إنه حملني على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك ) « 1 » . وفي لفظ آخر عند البخاري : قال له : « يا عم ، قل : لا إله إلا اللّه ، أحاجّ لك بها عند اللّه » . فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : بل على ملّة عبد المطلب ، فنزلت الآية « 2 » . وفيها دليل على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : الهدى هو البيان ، وقد هدى اللّه الناس أجمع ، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم ، فدلت الآية على أن وراء البيان ما يسمى هداية ؛ وهو خلق الاهتداء ، وإعطاء التوفيق والقدرة على الاهتداء . وباللّه التوفيق . الإشارة : الآية ليست خاصة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، بل هي عامة لكل من يريد الهداية لأحد من خاصته ، كتب شيخ أشياخنا ، سيدي « أحمد بن عبد اللّه » ، إلى شيخه ، سيدي « أحمد بن سعيد الهبرى » ؛ يشكو له ابنه ؛ حيث لم ير منه ما تقر به عينه ، فكتب إليه : أخبرني : ما الذي بنيت فيه ؟ دع الدار لبانيها ، إن شاء هدمها وإن شاء بناها . ه . وفي اللباب - بعد كلام - : قد رضى اللّه على أقوام في الأزل ، فاستعملهم في أسباب الرضا من غير سبب ، وسخط على أقوام في الأزل ، فاستعملهم في أسباب السّخط بلا سبب . فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ « 3 » الآية .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الإيمان ، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ، 1 / 55 ، ح 42 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( التفسير - سورة القصص ، ح 4772 ) ، ومسلم في الموضع السابق ذكره ( 1 ، 54 ، ح 39 ) ، من حديث سعيد ابن المسيب رضي اللّه عنه . ( 3 ) الآية 125 من سورة الأنعام .